ابن خلكان

30

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

من الأموال والذخائر ما لا يحد ولا يحصى . ثم رجع إلى مراكش وقد أعجبه حسن بلاد الأندلس وبهجتها وما بها من المباني والبساتين والمطاعم وسائر أصناف الأموال التي لا توجد في مراكش ، فإنها بلاد بربر وأجلاف العربان « 1 » ، وجعل خواص الأمير يوسف يعظمون عنده بلاد الأندلس ويحسنون له أخذها ، ويغرون قلبه على المعتمد بأشياء نقلوها عنه فتغير عليه وقصده ، فلما انتهى إلى سبتة جهز إليه العساكر وقدم عليها سير « 2 » بن أبي بكر الأندلسي ، فوصل إلى إشبيلية وبها المعتمد فحاصره أشد محاصرة ، وظهر من مصابرة المعتمد وشدة بأسه وتراميه على الموت بنفسه ما لم يسمع بمثله ، والناس بالبلد قد استولى عليهم الفزع وخامرهم الجزع يقطعون سبلها سياحة ويخوضون نهرها سباحة ويترامون من شرفات الأسوار . فلما كان يوم الأحد العشرين من رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة هجم عسكر الأمير يوسف البلد وشنوا فيه الغارات ، ولم يتركوا لأحد شيئا ، وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأيديهم ، وقبض على المعتمد وأهله ، وكان قد قتل له ولدان قبل ذلك ، أحدهما : المأمون ، وكان ينوب عن والده في قرطبة فحصروه بها إلى أن أخذوه وقتلوه ، والثاني الراضي ، كان أيضا نائبا عن أبيه في رندة « 3 » ، وهي من الحصون المنيعة فنازلوها وأخذوها وقتلوا الراضي ، ولأبيهما المعتمد فيهما مراث كثيرة « 4 » . وبعد ذلك جرى بإشبيلية على المعتمد ما ذكرناه . ولما أخذ المعتمد قيدوه من ساعته ، وجعل مع أهله في سفينة ، قال ابن خاقان في « قلائد العقيان » في هذا الموضع « 5 » : ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت ، وضمتهم « 6 » كأنهم أموات ، بعد ما ضاق عنهم القصر ، وراق منهم العصر ، والناس قد حشروا

--> ( 1 ) المختار : وأحلاف الغربان . ( 2 ) ن ر والمختار : شير . ( 3 ) بر س ن ت ق من : روندة ؛ ر : رنوذة ، مج : رويله . ( 4 ) س ت بر من : مرات عديدة ، وسقطت « عديدة » من ر . ( 5 ) قلائد العقيان : 23 . ( 6 ) القلائد : وضمنتهم جوانحها .